علي الهجويري
294
كشف المحجوب
وكل هذه الطوائف يبنون عقيدتهم على استدلالات مخصوصة ويأتون ببراهين دفاعا من معتقداتهم ، وإني لسائلهم : ما الذي تعنونه بالقدم ؟ هل تعنون به الوجود القبلي لشيء ليس بقديم أم تعنون به شيئا قديما لم يكن حادثا ؟ فإذا عنوا به أنه الوجد القبلي فلا فرق بيننا وبينهم في هذا المبدأ ، لأنا نقول : إن الروح محدثة وأنها كانت موجودة قبل الجسم ، كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد » . فعلى ذلك تكون الأرواح نوعا من مخلوقاته ، وبهذه الصلة توجد الحياة بقدرته لكن الروح لا تحتمل التنقل من جسم إلى آخر ، فكما أن الجسم لا يكون له حياته فكذلك الروح لا تحل بجسمين ، وإذا لم تثبت هذه الحقائق بأحاديث رسول صادق وعرضنا المسألة على العقل الناقد البصير ، فإنا نجد أن الروح هي الحياة وليست شيئا آخر ، وعلى ذلك فهي الحياة وليست شيئا آخر ، وعلى ذلك فهي صفة وليست بمادة ، فإذا اعتبروا من جهة أخرى أن الروح هي شيء قديم ، لم يكن موجودا فأقول لهم هل تقوم بنفسها أم بشيء آخر ؟ فإذا قالوا بنفسها أقول لهم هل اللّه سبحانه وتعالى عالم بها أم لا ؟ فإذا قالوا إن اللّه تعالى ليس عالما بها فإنهم يثبتون شيئين قديمين وذلك مناف العقل ، لأن القديم لا حد له ، فإذا قالوا بأن اللّه عالم بها فحينئذ أقول لهم ، بأن اللّه تعالى قديم وأن مخلوقاته محدثة ، لأنه من المستحيل أن يتحد القديم بالحادث أو يكون واحد معه ، أو يمتزج فيه أو يكون المحدث محلا للقديم محل الحديث ، لأن كل ما اتصل بشيء لزم أن يشابهه في بعض الأشياء لأن الأشياء المتجانسة هي التي يمكن أن تتصل أو تنفصل . فإذا قالوا بأن الروح لا تقوم بنفسها ولكن تقوم بشيء آخر لزم أن يكون ذلك الشيء إما صفة أو عرضا ، فإذا كان عرضا فإما أن يكون له مكان أم لا ، فإذا كان له مكان لزم أن يشابهه ، وكلاهما لا يطلق عليه القدم فإذا قلنا إنه ليس له مكان فذلك باطل محض لأن العرض لا يقوم بنفسه فإذا قلنا ثانية